قصص وروايات

نيران الهوى

الفصل الأول

========

بعد مرور ثلاثة أعوام كاملة لم يعود فيهما عشق لمعشوقته ولم تهنئ عاشقة قلبها بإنتصارها والحصول على حبيبها، لم تتوقف الحياة و لن يحدث ذلك، الجميع سيعود لمحله بعد فترة غياب كافية لترتيب أوراقه حسب أهميتها لا شئ جائز أو متوقع،  الشئ الوحيد المؤكد هو أن من يفوز بحبيبته ستنتهي حربه مبكرًا و ستظل ساحة الحر ب مليئة بالعاشقين    التائهين .

 

“””””””””

داخل منزل ” جاسر و جده ”

 

كان يقف أمام الموقد يُنهي آخر لمسات الوجبة الشهية التي يصنعها بحب من أجل أخته غير الشقيقة يعلم تمام العلم أنها تعشقها لذلك يصنعها لها يوم الجمعة من كل أسبوع .

 

نظر في ساعة معصمه للمرة الخامسة على التوالي  ضحك جده عليه ثم قال:

  • لسه بدري يا جسور الهانم تلاقيها نايمة .

 

حرك ” جاسر” رأسه وقال باسما:

  • واخدة عقلي بنت الإيه بفضل اعد في الأيام عشان يجي يوم الجمعة و اقعد معاها .

 

ربت جده على كتفه بحنو و حب ثم قال:

-ربنا يخليكم لبعض يا ابني ماهي أختك الصغيرة و زي بنتك بردو .

– أنت بتقول فيها يا جدي و الله حاسسها بنتي فعلًا مجنناني وواكلة تفكيري وكله كوم وكلمة جسور من بؤقها كوم لوحده بتخليني ببقى عاوز أكلها أكل كدا .

 

رد الجد و قال بنبرة مرحة

– طب يلا بقى اتشجع كدا و خد خطوة في موضوع الجواز ما دام فتحت نفسك كدا على الجواز و الخلفة .

– لا شكرًا يا جدي بطلنها الشغلانة دي خلاص أنا مش ناوي لا اخطب و لا اتجوز أنا كدا ملك زماني .

– أنت متسلكش معاك غير البت دعاء هي هتعرف تخليك تقول جوزوني يا ناس .

 

فرغ فاه ليرد عليه لكن قاطعه صوت قرع ناقوس الباب، وصل لمسامعه صوتها من خلف الباب خطئ بخطواتٍ واسعة ووسريعة ليفتح لها ما أن فتح الباب ارتمت بين أحضانه مهللة بأسمه الذي يعشقه من بين شفتاها، ظل يدور بها و يرفع للأعلى لتدوي بضحكاتها المكان من فرط سعادتها،  نسى والدته التي مازالت واقفة عاقدة ساعديها أمام صدرها تشاهد هذا اللقاء الحميمي الأسبوعي الذي يتزايد في كل مرة

أتى أبيها و رحب بها فقالت:

  • و الله فيك الخير يا بابا لسه فاكرني مش زي ناس نسيت إن أمها

 

مد يده ليصافحها و هو يميل بجذعه العلوي مقبلًا إياها ثم قال بعتذار:

– آسف يا ماما  سجدة كانت واحشاني

– و أنا يعني اللي كنت بايتة في حضنك ؟!  و بعديـ…

 

تركها و هو يقول بتذكر لأخته

  • يا خبر تعالي شوفي جسور عملك إيه يا چوچا تعالي دي هتعجبك اوي .

 

ما أن غادر المكان أشارت بيدها تجاه ولدها و قالت بنبرة مغتاظة :

  • شايفة يا بابا الواد دا أنا ملحقتش أكمل كلامي

 

رد ضاحكًا و قال:

– معلش يا بنتي أصل چوجا واكلة عقله معذور  ما هي بتيجي يوم في الأسبوع !

– و أنا هو أنا اللي بايتة هنا ليل نهار ؟!!!  و بعدين بقى في خطافة الرجالة دي بقى هي هتفضل تخطف لي في رجالتي واحد ورا التاني كدا ؟!!

 

ضحك والدها و قال:

– بتغييري من بنتك يا دعاء !!

– دي مش سايبة حد إلا وواخدة عقله و الله يا بابا عندك فضل و جاسر و بهجت ابن خالتها حتى شاهندة بنت الجيران واكلة عقلها بحلاوة أنا عارفة بيحبوها على إيه ؟!

 

خرج “جاسر” و هو يحمل أخته بيد و الأخرى يطعمها بها  حدثها بنبرة مرحة و قال:

  • احنا من يومنا حلوين و نتحب ولا عان راحت عليكي يا ست دعاء خلاص هتطلعي في چوچا إشاعات مغرضة !!

 

سحبت نفسًا عميقًا و قالت بشهية:

  • أنا روايح حلوة اوي خير كدا عاملين أكل إيه ؟!

 

رد والدها و قال:

  • محاشي مشكلة و رقاق وورق عنب و حمام محشي رز بالكبد انما يستاهل بؤقك .

 

ردت بإحباط و قالت:

  • بس أنا بحبه بالفريك !

 

رد “جاسر” و قال بعتذار:

– معلش يا دودو بس أصل چوچا بتحبه بالزر مشيها الأسبوع دا كدا

– أنا بقالي تلات شهور بمشيها كدا و خلاص يعني تعملوا خاطر عيلة مطلعتش من البيضة عندها سنة ونص و أنا أمك اللي تعبت وربت و كبرت يتقالها خليها الأسبوع الجاي !!

 

رد والدها و قال:

– خلاص بقى يا دعاء هو احنا عندنا كام سجدة يعني ؟!

-يعني هو أنا اللي في مني الف نسخة !!

 

ضحك ” جاسر” على حديث والدته نظر لأخته ليطبع قبلة رقيقة على جبينها  احتل الخوف ملامحه في ثوانٍ معدودة و قال:

  • ماما سچدة سخنة

 

وقفت عن مقعدها متجهة حيث ابنها وضعت يدها على جبينها و قالت:

  • لا دا دلوقتي بقينا عال خالص

 

هدر بصوته و قال:

– يعني كانت تعبانة و أنا معرفش و اكلمك تقولي لي بتلعب مع ساجد و مرة تقولي لي نايمة .

– يا ابني يا حبيبي السخونية كانت بليل بس و اخدت الدوا و بقت احسن

– راحت لدكتور ؟!

– مش مستاهلة !!

– بتهزري صح !! اومال إيه اللي مستاهل يا ماما  عن أذنك .

 

نادته مرارًا و تكرارًا  لكنه لم يرد عليها غادر المنزل و هو يحمل الصغيرة بين يده لاقرب طبيب اطفال داخل المنطقة،  وصل أخيرًا و انتظر دوره و بعد الكشف وقف الطبيب وقال باسمًا:

– بعد كدا يا جاسر هعملك دفتر متابعة إيه يا ابني حكايتك هي كل ما تكح ولا تعطس تجري بيها على الدكاترة ؟!

– طمني يا دكتور هي كويسة ؟!

– الحمد لله زي الفل

– اومال السخونية دي من إيه ؟!

– الجو اليومين دول ملغبط فـ طبيعي الجسم يتأثر و متنساش انها طفلة و كمان جسمها ضعيف حاولوا تخلوها تأكل كويس واهتموا باللبن ومشتقاته عشان عضمها يقوى .

 

حرك رأسه بيأس و قال:

– مجناني يا دكتور و الله في موضوع اللبن دا بالذات حاولت اعملها البدع عشان تتقبله بس مافيش فايدة

– معلش معلش كل الاطفال متعبين في أكلهم

 

********

 

في مساء نفس اليوم

 

كانت الصغيرة تلعب في الحارة مع جدها و ليته لم يفعلها،  انشغل عنها لعدة دقائق  مع أحد جيرانه مم جعل أحد اللصوص يسلب من أذناها قيراطها الذهبي دون رحمة مما جعل أذناها تنزف الكثير من الدماء  صعد بها لتحاول أمها تهدأتها بشتى الطرق، فزع “جاسر” من  نومه  تناولها منها و قال بقلق بالغ

  • مالها يا ماما فيها إيه ؟!

 

رد الجد  بحزن  دفين

  • و الله يا ابني عيني غفلت عنها دقيقة واحدة   بس  لفيت وشي بشوفها بتعيط ليه لاقيتها حاطة ايدها ع ودنها و بتنز ف دم .

 

ردت دعاء  بعصبية مفرطة

  • يا بابا قلت لك متاخدهاش تحت

 

هدر ” جاسر بصوته الجهوري و قال:

–  نبهت أنا و لا منبهتش عليكم متخرجش  برا البيت بس هقول إيه  عيلة مستهترة  .

 

بعد مرور عدة ساعات

 

وصلت “دعاء” لمنزلها  و ما إن ولجت مع ابنائها. هرع ” ساجد” تجاه الصغيرة حاملًا إياها   بلهفة و قال :

-مالها فيها إيه ؟!

 

سردت ” دعاء” بعفوية شديدة ما حدث قاطعها “ساجد “و قال :

  • طنط بلاش تقولي لبابا اللي حصل  عشان ميزعقش هي الحمد لله انها جت لحد كدا و في داهية الدهب اللي راح المهم هي ولو سألك إيه اللي حصلها قولي انها اتحشر ت البيت اللعب بتاعها زي العادة بس المرة كانت جامدة شوية .

 

أومأت له برأسها علامة الأيجاب وقبل أن ترد عليه قاطعها فضل بدخوله و هو يقول بعصبية مفرطة:

  • وكمل يا بيه يا مخترم هتعلمها تكدب عليا في إيه كمان

 

وقفت ” دعاء” و قالت:

  • فضل الحمد لله سجدة بخير

 

رد ” فضل” بعصبية مفرطة

–  انهي خير لما سيبت  بنتي تروح الحواري و

يحصل فيها اللي حصل دا !!

 

ردت “دعاء” بنبرة لا تقل عن نبرته حدة و غضب قائلة:

–  إيه الكلام اللي بتقوله دا يا فضل خلي بالك من كلامك !

– كلامي يا ست هانم دا اللي كان المفروض يتقال من زمان

 

تدخل ” جاسر” بهدوء  و قال

  • دهب سجدة عندي يا عمي و أنـ..

 

هدر بصوته قائلًا:

  • دهب إيه يا ابو دهب أنا اتقال بنتي بالدهب ومش مستني دهبك دا اصلًا،  أنا غلطان اللي سبتها تروح لمكان لا مقامها ولا قيمتها

 

رد ” جاسر”  بهدوء قائلًا:

  • كتر خيرك ياعمي لحد كدا شكرًا .

 

يتبع

.الفصل الثاني

*********

وثبت ” دعاء” من مكانها معترضة تلك النبرة الحادة و كلمات زوجها التي وصفتها بالخارجة

وجهت سبابتها نُصب عيناه قائلة:

  • الزم حدك يا فضل اللي بتتكلم معاه دا ابني و الحواري اللي مش عجباك. دي يا حبيبي كنت بتحفي ورايا فيها عشان بس اوافق عليك  و الظاهر إني غلطت يوم ما وافقت .

 

تتدخل ” ساجد” ليفض النزاع القائم بينهما قائلًا:

  • صلوا على النبي يا جماعة و اهدوا كدا الموضوع مش مستاهل كل دا .

 

رد و الده بحدة و قال:

  • مش مستاهل !! قـ ـطع ودان أختك موضوع مش مستاهل في نظرك يا بيه يا محترم !

 

دافعت ” تميمة ” عن أخيها موضحة وجهة نظره  قائلة:

  • بابا ساجد أكيد مش قصده هو بس يقصد

 

قاطعها والدها و قال بنيرة غاضبة:

  • أنتِ تخرسي أنتِ كمان الظاهر إن مش فارق معاكم اختكم !

 

قرر ” جاسر” الانسحاب قائلًا بهدوء:

  • أنا مضطر امشي لأني اتأخرت على جدي عن أذنكم .

 

نادته والدته قائلة:

  • استنى عندك يا جاسر أنا جاية معاك .

 

رد” فضل” و قال:

  • لو خرجتي من هنا انسي إنك ترجعي تاني يا هانم .

 

ردت ” دعاء”  بنبرة ساخرة و هي تضم ابنتها لحضنها:

  • مش خارجة من الجنة يا حبيبي عن أذنك .

 

ركضت خلف ولدها الذي كاد أن يغادر المنزل

نادته أكثر من مرة  توقف ثم تنهد بعمق قبل أن يستدار لها بكامل جسده،  سألها بنبرة جاهد بأن تكون طبيعية خالية من الحزن الشديد و قال:

– رايحة فين بس يا ماما ؟!

– هاجي معاك مش هسيبك لوحدك و بكرا هيعرف إن الله حق بس اصبر عليا بس

– تيجي فين بس كل اللي حصل دا طبيعي و متوقع إنه يحصل أنا نفسي بهدلت الدنيا لما شفت  سجدة بالمنظر دا  .

 

ردت بنبرة مغتاظة قائلة:

  • أنت هتعملهم عليا يا ابن دعاء !! فاكرني هبلة و مش عارفة إن كلام البيه اللي جوا دا كلام مستفز زيه و زعلك!!

 

 

ابتسم لها إبتسامة شديدة التكلف ثم قال بهدوء:

  • صدقيني أنا مش زعلان منه و بعدين لي الحق يزعل دي بنته بردو يا ناس وشافها كدا و الله ما عاتب عليه بالعكس مقدر اللي هو في .

 

هرع ابناء “فضل” الثلاثة في محاولة لتهدأت الوضع الذي بدأ يتفاقم و يخرج عن السيطرة

وقفت ” تميمة” قابلتهم قائلة بعتذار بالنيابة عن أبيها:

  • أنا آسفة يا جاسر متزعليش يا طنط بابا منفعل بسبب ضغط الشغل و حـ ..

 

قاطعتها ” دعاء” بعصبية قائلة دون وعية:

  • اعمليهم عليا يا بنت فضل قال يا يعني مش عارفة مين اللي بخ السم في ودنه ورمى الكلام عشان يوقع بنا !

 

تابعت حديثها وهي تربت على كتفها قائلة:

  • اشبعي بيه يا حبيبتي سبته لك خالص يكش قلبك يبرد دلوقت .

 

ردت ” تميمة ” بنبرة صادقة استشعرها جيدًا كل من يقف في الرواق حين قالت:

  • ربنا يسامحك و الله وربنا يشهد عليا أنا ما أعرف اللي سجدة غير لما دخلتي علينا ولا قمت من مكاني ولا كلمته و ربنا شاهد عليا أنا صحيح مش قادرة أأقبل أي حد مكان ماما الله يرحمها بس دازمش معناه أهد سعادة بابا أنا مش أنانية اوي كدا !

 

انفـ ـجرت” دعاء” و هي تقول بغضبٍ جم دون أن تشعر:

  • مثلي عليا دور البريئة يا بت ما هو أنتِ هتطلعي لمين غير لأمك السوسة تعمل العاملة و تحلف إنها ما عملتها .

 

تدخل ” جاسر” قائلًا بهدوء:

  • ماما كفاية كدا و من فضلك سبيني امشي بقى عن أذنكم .

 

انسحب ” جاسر” بهدوء أخيرًا تاركًا عائلة “فضل الأيوبي” تنسحب واحدًا تلو الآخر دون أن يعاتبوا والدته على اتهاماتها تلك، أما هي لم تقبل المكوث أكثر من ذلك داخل هذا المنزل

غادرته متجهة حيث منزل أختها تشكو لصديق عمره ما حدث، عاتبتها “رقية” قائلة:

  • ليه يا كدا دعاء دا أنتِ عمرك ما كسـ ـرتي بخاطر نملة معدية من جنبك تقومي تكـ ـسري بخاطر تميمة كدا !!

 

ردت ” دعاء” بضيق و قالت:

  • خلاص بقى يا بت أنتِ متشيلنيش الذنب أكتر ما أنا شايلاه كانت ساعة غضب اعمل إيه يعني !!

 

اعتدل ” بهجت” في جلسته قائلًا:

  • معاكي إن معظم المواقف بينك و بينها مكنش الطف حاجة بس اعتقد حركة زي دي تميمة متعملهاش أبدًا .

 

قاطعته ” دعاء” قائلة:

  • دي تعملها و تعمل أبوها لسة بتصعب عليك و بتصدق كلامها يا اهبل

 

تابعت بغيظٍ شديد:

  • اقول عليك إنت ولا ابني أنتوا الاتنين ادبتوا فيها زي الجرادل وهي كانت بتلعب بيكم الكورة .

 

ختمت حديثها بشماتة:

  • بس الحمد لله ابني طلع راجل و اختار أمه بعد ما قالت له يا أنا يا أمك ربنا نجده منها ومن بلاويها .

 

وقف” بهجت” ثم قال بإبتسامة خفيفة:

  • أنا هطلع انام شوية عشان عندي محكمة الصبح تصبحوا على خير .

 

نظرت” نبيلة” لأختها  ثم قالت بغيظٍ مكتوم

– ابني كان بيخبها و مش معنى انه سابها يبقى بطل يحبها و مش معنى إن ابنك لف من وراه و خطبها يبقى وسابها عشانك يبقى كدا راجل الرجولة مش بموقف واحد يا دعاء .

– قصدك يا نبيلة ؟!

– قصدي إن القلوب مش بإيدينا عشان نحب مين و نكره مين فـ بلاش تتباهي بإن ابنك قدر يوقف نفسه و سبها في الوقت المناسب

عشان مش كل القلوب عندها القوة تنسى حب عشش في قلب سنين و مطلوب منه ينسى فـ هينسى في يوم و ليلة .

 

تدخلت ” رقية” بينهما كالعادة و قالت بتذكر

  • صحيح تعالي احكي لك على اللي حصل النهاردا و نسيت اقولك عليه .

 

قاطعتها قائلة بعتذار

– لا معلش يا روكا خليها لما ترجعي

– ارجع منين ؟!

– ما هو أنا عاوزاكي تروحي تشوفي جاسر زمانه وصل البيت روحي و شوفيه  واعرفي كدا جدك عرف ولالا

 

ردت” نبيلة” قائلة:

  • ريحي دماغك ابنك مش هيحكي لحد حاجة خليكي يا رقية الليل اتأخر و مش هينفع تروحي .

 

ربتت” رقية” على يد والدتها ثم قالت بمرح

– متقلقيش عليا يا بلبلة الساعة لسه مجتش تسعة و كمان أنا كدا كدا كنت رايحة عند بابا شوية .

– هو رجع من العمرة ؟!

– اه لسه راجع النهاردا الصبح هروح بقى اسلم عليه عشان ميزعلش .

 

ردت والدتها بهدوء

– طب ما بلاش تفوتي عليه النهاردادو خليها بكرا

– مش هتفرق يا ماما النهاردا من بكرا وبعدين لسه هشوف هعمل إيه عن أذنكم بقى هطلع اغير هدومي و امشي .

 

ما إن غادرت البهو نظرت ” دعاء” لأختها و قالت:

  • أنتِ لسه فيكي الداء دا يا نبيلة ما تسيبها تروح لأبوها !

 

تأكدت أن ابنتها اختفت عن أنظارها ثم عادت ببصرها و قالت بنبرة هامسة:

–  يوسف هناك وأنا مش عاوزاها تروح وهو هناك .

– إيه دا أنا معرفش الموضوع دا جه إمتى ؟!

– مش عارفة بس النهاردا أختها اتصلت عليها و أنا رديت عليها فقالت لي إن يوسف عندهم و بلاش هي تيجي .

 

تنهدت ” دعاء” بعمق ثم قالت:

  • ولحد إمتى هتفضل تتهرب منهطب ماهو عارف إنها عملت العملية و خلصت بقت كويسة و حتى التشوهات اللي في جسمها كلها عملية ولا اتنين و تبقى فل .

 

تنهدت ” نبيلة” بيأس ثم قالت :

  • بقت كويسة إيه بس يا دعاء دا كل اللي عملته جراحة تجميلية للعين من برا انما بنتي مابتشوفش غير بعين واحدة يا دعاء عين واحد بس اللي بتشوف بيها

 

تساقطت دموعها و هي تقول:

  • سبيني في اللي أنا في يا دعاء دا كل ما ببص في وشها قلبي بيتقـ ـطع ميت حتة و ببقى نفسي اخدها في حضني واقولها حقك عليا أنا اللي سيبتك كدا .

 

سكتت ” دعاء”  مليـًا ثم قالت:

  • معلش يا نبيلة بكرا تبقى كويسة و ترجع تشوف من تاني إن شاء الله .

 

ابتسمت بآسى و هي تقول:

– عارفة عملية زي اللي رقية محتاجة تعملها دي يا دعاء تتكلف كام ؟!

– كام ؟!

 

سبعين الف دولار يا دودو دا غير إن هي مبتتعملش غير برا مصر احسن دولة ممكن تعملها المانيا في كام دولة تانية بس هي احسنهم، الحمد لله إني عايشة و بروح و باجي .

 

اردفت ” رقية” عبارتها وهي تهبط سلالم الدرج بهدوء عكس مايدرة بداخلها من ثروة بكاء و حزن كبيران،  توقف أمامهما ثم قالت ببعضٍ من المرح:

  • و بشوف كمان هو صحيح بعين واحدة بس اهو احسن من مافيش خالص .

 

لوحت بيدها قبل أن تغادر:

-يلا تصبحوا على خير  هبقى اكلمك يا دودو باي يا ماما.

 

*********

داخل إحدى المستشفيات العسكرية، انقلب بهو المشفى رأسًا على عقب، مجموعة من الضباط و العساكر الغارقين في دمائهم، بدأت عمله منذ دخولها من باب المشفى، تفقدت الوضع هنا و هناك مع طاقم الأطباء،  إلى أن أستقر بها الحال داخل غرفة العمليات، كانت مساعدة الطبيب الذي كان يستخرج رصاصة من داخل كتف ضابط بالحربية، كانت تراقب مؤشرات الأجهزة و تحدث الطبيب الذي باشر عمله بهدوءٍ شديد، انتهى من استخراج رصاصتين و ترك الأمر بعد ذلك للطبيب المساعد .

 

بعد مرور ساعة و نصف .

 

خرج وهي خلفه تستمع لحديثه حين طمئن عائلته قائلًا:

  • اطمن يا ممدوح بيه ياسين باشا بخير احنا خرجنا الرصاصتين و الحمد لله الحالة مستقرة .

 

ردت والدته بلهفة قائلة:

  • عاوزة أشوف ابني اشوفه واطمن عليه بس

 

رد بجدية و عملية:

  • لا دلوقتي مش هينفع هو حاليًا في الرعاية لازم يعدي تمانية وأربعين ساعة و بعدها هيكون بخير إن شاء الله اطمنوا .

 

بعد أن غادر الطبيب و قبل أن تغادر هي الأخرى  توقفت فجأة دون أن تستدار حين قال:

  • ياما قلت لك ياممدوح بلاش تخلي ابنك يدخل الحربية قعدت تقولي ابني راجل و ميتخافش عليه ويخدم في أي مكان

 

تابعت بنبرة مغتاظة وهي تقلد نبرة ابنها

  • وهو داخل في الدنيا بصدره و يقولي أنا ياسين ممدوح السباعي أسد الجيش واسد في أي مكان .

 

همست ” هدية” بخفوت قائلة:

  • عمي ممدوح !!

 

لم تتوقف أكثر من ذلك  خطتت تجاه الطابق الثالث حيث غر فة الرعاية المركزة، بحثت عن الممرضة التي تجلس داخل ركن الاستقبال

وجدتها تتدون بعض البيانات وصلت إليها و قالت:

  • إيمان فين الملفات بتاعتي الناس اللي جت دلوقت ؟!

 

مدت ” إيمان” يدها بملفٍ ثم قالت :

– طلع ابنك  مش تشابه اسماء .

– أنتِ عرفتي منين ؟!

– أنا أول ما قالوا اسمه قلتمعقول يكون ابن عمها وبعدين لاقيتك متعرفيش عيلته قلت بس تشابه اسماء و لما جت لي الملفات اتإكدت إنه ابن عمك فعلا

 

تابعت” إيمان” قائلة:

  • هما عرفوا إنك بنت عمه ؟!

 

حركت” هدية” رأسها علامة النفس وهي تغلف الملف:

– لا ومش هعرف حد بالحكاية دي

– ليه ؟!

– مش هتقدم و لا هتأخر دا غير إني عمري ما شفت عمي دا و لا أعرف شكله إيه غير دلوقتي فـ مش هجيب لنفسي وجع دماغ .

– بس أنا شايفاها فرصة العمر

– ازاي بقى ؟!

– يعني لما يعرف إنك بنت أخوه  وتحكي له عن اللي حصلك من ولاد أخوه أكيد هيساعدك

 

لاحت إبتسامة جانبية حزينة ثم قالت :

  • و هو جاسر لما. رحت له كان عمل إيه يعني جه و شخط شخططين ومشي و إيه اللي حصل بعد كدا رموني في أوضة تحت السلم و بعدها امشي برا البيت كله !!

 

وقفت عن مقعدها و هي تتنفس بعمق لتغلق الحديث في هذا الأمر:

  • أنا شايفة إن الكلام لاهيودي و لا هيجيب فـ خلينا كدا أغراب ومحدش فينا يعرف التاني .

 

ردت ” إيمان” بنبرة حانية قائلة:

– طب يا حبيبتي أنا همشي بقى مش عاوزة مني حاجة ؟!

– عاوزة سلامتك خلي بالك من نفسك .

 

*******

داخل منزل “جاسر”

 

كانت جالسة قابلته داخل الشرفة المُلحقة بالرداهة تتابعه في صمت، تعرف يدور بداخله

من ثورة وحزن شديدان، ملامح وجهه كافية لشرح ما يعتمل بداخله،  أتى الجد ووضع القهوة ثم قال بترحاب:

– قهوتك يا ست البنات

– تسلم ايدك ياجدو تعبت نفسك بردو

– هو في أعز منك اخدمه بردو !!

– حبيبي يا جدو .

 

نظر لحفيده و قال بنبرة حانية:

  • بردو مش عاوز تقولي مالك بس يا جسور ؟!

 

حرك ” جاسر” رأسه علامة النفي قائلًا بهدوء مُبالغ فيه من وجهة نظر جده:

– مافيش يا جدو صدقني أنا بس اليوم من أوله كان صعب و ختم باللي حصل لسجدة فـ عشان كدا دماغي متلغبطة شوية .

– أنت مش بتقول إن فضل متكلمش معامكم و قال في داهية الدهب المهم سلامة بنته ؟! مالك بقى ؟!

 

ردت ” رقية ” بنبرة مرحة  مقاطعة إياه و قالت:

  • متقلقش يا جدو دلوقتي معايا وأكلك دماغه بالحكايات بتاعتي و زني اللي مبيخلصش .

 

رد الجد ضاحكًا و قال:

  • طب يا ستي اطلع أنا منها بقى واروح ارتاح شوية قبل صلاة الفجر تصبحوا على خير .

 

ما أن غادر الجد حدثته بجدية قائلة:

  • أنت لسه زعلان من عمو فضل هو في حد في الدنيا دي يزعل منهبردو طب دا حتى عمو فضل طيب و غلبان .

 

رفع بصره لها دون أن يعقب على دفاعها عن زوج والدته  بينما تابعت هي:

  • معاك حق تزعل في حاجات و حاجات لا بس في النهاية هو أب و بنته منظرها مكنش يطمن خالص .

 

وضع قدح القهوة و قال:

– أنا مش زعلان منه بالعكس هو مقالش حاجة غلط هو قال اللي فيا فعلا، أنا من الحواري و دي عيشتي  بس لا دا وقته و لامكانه و لا دي الطريقة اللي يتقال بيها حاجة زي كدا أبدًا .

– بص مش هقدر الومك على حكاية زعلك دي بس بردو غلطة اتقالت مرة في العمر تغفرها له و لا تعلق له حبل المشـ ـنقة ؟!

 

حرك ” جاسر” رأسه و قال:

  • مش كل الغلطات تغفر و لا كل الوحش بيتنسي ساعات بنفضل فاكرينه عشان قيمتنا عند الناس و نفكر نفسنا إن مينفعش نتخطى حدودنا معاهم .

 

كادت أن ترد عليه لكن قاطعته حين نظرت لشاشة هاتفها و قالت:

  • دي دعاء هرد عليها

 

رد بخفوت و قال:

  • أنا مشهنا عندي شغل و لسه مرجعتش ها

 

أومأت له برأها علامة الإيجاب و قالت:

  • متقلقش

 

و بعد مرور خمس دقائق من التحقيقات  اغلقت الهاتف وهي تقول:

  • مش مصدقاني و عارفة اني كدابة بس مقدمهاش حل غيرانها تعمل نفسها مصدقة

 

كادت أن تضع الهاتف على سطح المنضدة الزجاجي لكنها استدارت  بجسدها تجاه الجهة الأخرى من الحارة حين قال لها بإبتسامته العريضة :

  • عارفة مين جاي علينا دا ؟! فاكراه !

 

تلعثمت وشعرت بالحرج لكنها حاولت مجاراته  قائلة:

– لا مش فاكرة اوي !

– يابتمش فاكرة عم أحمد بتاع البطاطا اللي كنا بنشتري منه و احنا  صغيريين من قدام البيت ؟!

 

ردت بسرعة لتخفي توترها و قالت:

  • اه طبعًا افتكرته أنا كنت بشوفك فاكره و لالا بس شاطر  طلع ذاكرتك قوية .

 

هنا فقط أدرك “جاسر” خطأه الفادح تجاه تلك المسكينة  كاد أن يعتذر لكنه قرر ان يلتزم الصمت كي لايحرجها أكثر من ذلك.

 

ساد الصمت لعدة دقائق كانت تحاول فيهما تنظيم أنفاسها و المحافظ على هدوئها قدر المستطاع وضعت قدح القهوة فوق سطح المنضدة ثم وثبت فجأة من مكانها قائلة:

– أنا هروح اسلم على بابا بقى .

– هاجي  اوصلك استني .

– لا دي كلها خطوتين  متتعبش نفسك، تصبح على خير .

– بس

– من غير بس من فضلك يا جاسر عاوزة امشي لوحدي .

 

خرجت من الشرفة و قبل أن تصل لباب الشقة

عادت من جديد، هنا فقط علم أنها ستتحدث عن ما حدث منذ قليل،  ابتسمت له ثم قالت:

  • لا شفت عم أحمد و لا حتى شفت معاه العربية بتاعت البطاطا رغم إن المسافة مكملتش العشرة متر بس أنا مشفتهاش أنا ياجاسر مابشوفش من بعيد أبعد مسافة ممكن اشوف بيها هي تحت رجلي عيني اللي راحت كنت بشوف بيها كويس و التانية كانت ضعيف و مع اللي حصل ضعفت أكتر .

 

رد”جاسر” و قال بعتذار:

– أنا آسف حقك عليا

– بس أنت معملتش حاجة عشان تعتذر دي الحقيقة و أنا مش زعلانة منك و الله بالعكس دا أنا بقيت متصالحة اوي مع نفسي و بقيت من كتر السلام النفسي اللي عندي بقيت اتريق على نفسي .

 

وقف ” جاسر” عن مقعده و قال:

– اعملي العملية يا رقية

-عارف تمنها كام ؟!

– كام يعني !

– 70 الف دولار يا جاسر عارف يعني كام بالمصري ؟!  يعني تلاتة مليون ونص مين بقى معاه يدفع تلاتة مليون و نص وكـ…

 

قاطعها” جاسر” بعصبية قائلًا:

  • أنا مبفهمش في الكلام دا أنا اللي افهمه ربنا خلق الطب و الدوا و أكيد حالتك ليها علاج مستحيل دكتور واحد يشخص و ناخد بعين الاعتبار .

 

ابتسمت بجانب ثغرها وقالت:

– يا جاسر أنا رحت لأحسن مستشفى في المانيا و كمان الدكتور اللي هناك شاطر جدًا

– ايوة و كلامه انزل من السما يعني ؟! خلاص ناخده و نقول عليه آمين ؟! أنا اللي أعرفه  ربنا زي ما خلقه خلق غيره و نروح لدكتور و اتنين و عشرة و نشوف الأنسب لينا .

 

تنفست بعمق و قالت:

– و أنا زهقت مش هدور في مواضيع قفلتها مش هعشم نفسي تاني خلاص أناراضية باللي ربنا كاتبه لي و بقول الحمد لله زعلان ليه بقى !!

– امشي يا رقية قبل ما اغبطك بحاجة في دماغك امشي عشان مش طايقة ابص في خلقتك  و الحوار دا متقفلش على كدا .

 

******

في صباح الخميس داخل المشفى و تحديدًا غرفة ” ياسين السباعي” كان جالسًا بين أفراد عائلته حاول أن يبتسم لكن الالم التي تجتاح صدره و كتفه فوق طاقة تحمله، استدعى الممرضة التي تشاجرت معه بالأمس بسبب حركته الزائدة،  طرقت الباب ثم ولجت و ما إن ولجت وقع بصره عليها، ابتسم لها و قالت بنبرة جادة:

  • أنتِ هدية مش كدا ؟!

 

تعلم تمام العلم أن من يحدثها عمها لكنها لا تريد أن تُخبر أحد بهذه المعلومة،  ردت دون أن تنظر له وقالت:

  • تحت أمر حضر تك يا فندم

 

بدأت تباشر عملها في قياس ضغط الد م و الحرارة ثم نظرت لعمها و قالت بعملية حين قال:

  • متزعليش من ياسين هو عصبي بس بسبب التكتيفة اللي هو فيها مش متعودة على كدا

 

وضعت المسكن داخل المحبوا و هي تقول بإبتسامة شديدة التكلف

  • احنا مقدرين اللي هو في يا فندم و كل اللي حصل امبارح دا لمصلحته أولًا .

 

غمز ” ياسين” لأخيه الذي لم يترك تلك الفرصة تمر هكذا  ابتسم له ثم قال بجدية مصطنعة:

  • جرا إيه يا بوب هي السنارة غمزت و لا إيه دا احنا

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى