عمياء في بيت الهواري

الـفـصـل الأول
♤♤♤♤♤♤♤
قبل سنة من الأحداث الحالية
كانت واقفة أمام المرآة تتغزل في نفسها وتوصف جمالها الذي لن يمتلكه غيرها، رفعت رأسها للأعلى وخي تناجي ربها قائلة:
_ يارب ياخد باله مني بقى و يحن عليا ويتجوزني أدهم ابن الهواري ده!
دارت حول نفسها تتغزل من جديد في جسدها و جمالها وقعت عيناها على هاتفها لتجد اسم صديقتها بالحارة يضئ شاشته التقطته بلهفة ثم ضغطت على زر الإجابة و هي تقول بسرعة شديدة:
_ الو ايوة يا ليلى إيه ادهم جه بجد و الله ! طب خلاص اقفلي اقفلي هروح ابص عليه اهو .
القت بالهاتف على الفراش ثم ركضت حيق الشرفة فتحت ستارتها وطلت بوجهها وجدت شاب في السادسة و الثلاثون من عمره طويل البنية عريض المنكبين يرتدي جلباب أبيض وفوق منكبيه عباءة من اللون الأسود يقبض على يده اليسرى عصا منحوتة على شكل أفعى
وقف أمام سيارته الفارهة يطالع الحارة بنظرة تقيمية شاملة حتى وقعت عينه على شرفتها تركت الستارة تنسدل وهي تردد بخفوت:
_ يالهوي جوزي شافني.
مرت ثوانٍ ثم عادت تراقب الوضع من جديد لتجده صعد بيت عمه هرعت نحو هاتفها مرة أخرى وبدأت الاتصالات الجادة لمعرفة سبب الزيارة، اتاها الرد في الحال ما إن فتحت صديقتها لم تُمهلها الفرصة سألتها بنبرة مغتاظة قائلة:
_ جوزي بيعمل إيه عندكم المرة دي يا ليلي، جوزي مين ادهم ابن عمك يا ست هانم!
على الجانب الآخر من نفس المكان و تحديدًا في البناية المقابلة لبناية تلك المجذوبة بحبه، كانت صديقتها تفرغ العصير في الأكواب بهدوء وحذر وهي تضحك على تصرفات صديقتها توقفت فجأة لتخبرها بنفس الكلمات المعتادة في زيارة كل شهر:
_ و الله إنك مجنونة بصحيح يا بت ده ميعرفش إنك عايشة على الكوكب أساسًا كفاية جنان بقى أنا مش عارفة متسحملكي على إيه!
تابعت حديثها بجدية قائلة:
_ اسمعي يا شهد أنتِ صاحبتي وحبيبتي وربنا يعلم اني بعاملك زي اختي بس لحد كده وكفاية يعني إيه، يعني ادهم ده واحد ميعرفش بوجودك ولا هيحس بيكي وفرضا لو حصل متزعليش مني مش هيبصلك.
تابعت بنبرة ماكرة قائلة:
_ وبصراحة هو مبيفكرش في الجواز دلوقتي ده غير إن لو فكر و قرر يتجوز مش هيتجوز من بره العيلة ده سلو عيلتنا لا رجالة ولا ستات يخرجوا بره العيلة
ختمت حديثها قائلة:
_ يعني البت لابن عها .
رفعت الهاتف من على أذنها بعد ما اغلقته “شهد” إبتسامة انتصار ارتسمت على شفتاها وضعت الهاتف جنبا ثم حملت العصائر وغادرت المطبخ .
طرقات خفيفة ثم ولجت بعدها حاملة بين يدها قلبها و ليس العصائر وضعتها على سطح المنضدة الرخامي ثم جلست على المقعد المجاور لمقعد أبيها تستمع لحديثه المبهم وهو يقول:
_ و الله يا أدهم يا ابني ما عارف اقولك إيه بس الرأي في الحالة دي مش رأيي ده رأي هي.
انفرجت إبتسامتها وظنت أنه يريد الزواج منها نظرت إليه ثم نظرت لأبيها و قالت بنبرة متوترة قليلًا:
_ هو في إيه ما تعرفوني الموضوع يمكن اقدر اساعدكم.
نظر أبيها إليها ثم قال ببساطة شديدة:
_ أدهم يا ستي طالب يدك لأخوه عاصم
حل الصمت المكان تحطمت أحلامها و تخيلاتها كيف تخبره بأن قلبها معه هو و ليس أخيه، طال الصمت أكثر مما تتخيل لكنه بالنهاية مجبرة على الرد في هذا الأمر تحديدًا تنحنحت ثم قالت بهدوء:
_ أنا آسفة في اللي هقوله بس عاصم ابن عمي مش قادر ينسى مراته و كل يوم و التاني بيشرب و دي حياة أنا مبحبهاش ربنا يوفقه مع حد تاني غيري .
رد ” أدهم” بعقلانية و قال:
_چايز چزء من حديتك صُح انما خلينا اعرفك إنـ…
قاطعته قبل أن يبدأ في شرح مبررات لا داعي لها و قالت:
_ معلش يا أدهم مش هقدر اسمع كلام مش مقتنعة بيه وزي ما قلت لك عاصم مش مناسب ليا.
رد ” أدهم” و قال بعملية:
_ طب إيه رأيك تشوفي لنا عروسة من صحابك ؟
تتدخل عمه بسرعة و قال:
_ ليلى بنتي معندهاش صحاب غير واحدة ولا اتنين بالكتير واحدة اسمها زبيدة ودي أكبر منها بسنتين و شهد و دي من سنها و الاتنين دول يا ابني ماينفعوش مش عشان هما وحين لا سمح الله لا عشان هما غلابة و عاصم أخوك صعب و محدش هيتحمل واحد عايش على ذكرى مراته و مش عارف ينساها بقاله تلات سنين
تابع بحرج من حديثه:
_ متزعلش مني بس أبوك راجل صعب وبيتدخل في حياتكم جامد فـ محدش هيقدر يتحمل ده اخويا وأنا عارفه مش هيقدر يغير طبعه .
ابتسم “أدهم” و قال بهدوء:
_ من الآخر كِده لا أنت يا عمي ولا حد تبعك رايده لـ عاصم اخوي؟
_ يا ابني و الله مفيش في نيتي شئ وحشة ناحيته هو بس يرجع عاصم اللي كلنا نعرفه و أنا اجوزه بنتي مش هدور له على عروسه كمان .
بعد عدة دقائق من الصمت قررت أن تتدخل مرة أخرى وهي تقول بهدوء:
_ إيه رأيك يابابا نعرض على زبيدة و شهد يمكن يوافقوا مين عارف م يمكن ربنا يصلح حاله على ايد واحدة منهم.
رد “أدهم” بسعادة وهو يقول:
_ اهو ديه الكلام و لا بلاش ربنا يسعدك يا بت عمي وليكي عندي حلوان لو عيشتي عمرك كله ما هتنسيه واصل .
إبتسامة شديدة التكلف ارتسمت على فاها، انسحبت في هدوء قبل أن تنهار أمامه، ولجت غرفتها وارتمت بجسدها على الفراش بكت حتى خارت كل قواها في البُكاء.
طرقات خفيفة ثم ولج بعدها والدها جلس مقابلتها و قال بهدوء:
_ متزعليش بكره ربنا يزرقك الاحسن منه .
اعتدلت “ليلى” وهي تكفكف دموعها نظرت لأبيها قثم قالت:
_ حضرتك تقصد إيه بكلامك ده أنا اللي رفضت عاصم
_ و أنا كلامي مش على عاصم
_ اومال حضرتك تقصد مين ؟
_ اقصد اللي كنتي فاكرة إنه جايلك أنتِ عضان يخطبك وهو جاي لأخوه.
_ بابا
رفع يده ليمنعها من الحديث قائلا:
_ اسمعيني يا ليلى وحطي الكلام ده حلقة في ودنك أنا مش هناسب اخويا سليم مهما حصل لا أدهم ولا عا٢م ينفعوا اصلا يتجوزا محدش هيستحمل يعيش في البيت ده ليليتين وار بعض بسبب سليم اخويا و عمايله وحطي فوق مل ده طباع ولاد عمك اللي محدش عاقل يتحملها و احنا يابنتي اللي منقبلوش على نفسنا منقبلوش على بنات الناس شهد ولا زبيدة الاتنين الفقر طاحنهم و ماهيصدقوا يخرجوا من الفقر بس منساعدهمش يخرجوا من الفقر يدخلوا في مرار ووجع قلب .
سألته “ليلى” بعدم فهم فائلة:
_ يعني إيه ؟
_ يعني متساعديش عاصم يكرر نفس التجربة خليه هو يعمل اللي يعجبه ملناش دعوة بيه.
بعد مرور عدة أسابيع
عاد مرة أخرى “أدهم” إلى القاهرة ومعه رجال العائلة
ظن عمه أن الأمر انتهى منذ أسابيع، لكن تفاجأ بوجودهم جميع في زيارة رسمية، رحب بهم جميعًا ثم دخل غرفة الضيوف جلس و استمع لجميع تساؤلاتهم رد على البعض و تجاهل البعض الآخر عن عمد .
استفزه أخيه “سليم” بحديثه فـ قرر أن ينفجر فيه و يحدث ما يحدث لم يعد يهتم بعد الآن، ضرب بيده على سطح المنضدة و قال:
_ وهو مين كان اللي بيدخل في حياة التاني و مين اللي قتل المسكينة مرات عاصم مش أنت بردو ؟
رفع ” عاصم” بصره عن الأرض لأول مرة منذ دخوله ليتقابل بنظراته مع أبيه الذي تجاهلها تماما ليدافع عن نفسه و قال بعصبية:
_ كان جتل خطأ و الحكومة نفسها برأتني تاچي أنت وتجول جتلتها ؟!
_ ايوة قتلتها و كنت هتقتل ابنك و اللي يقول غير كده يبقى كداب أنت اللي بترمي عيالك في التهلكة يا سليم أنت اللي بترمي عيالك في النار
أشار تجاه “أدهم” و قال:
_ و اللي ملففه وارك السبع بلاد ده مش حرمته من البنت اللي بيحبها و قلت له مفيش حد بيتجوز من بره العيلة دلوقتي بقى حلو ومباح لاخوه !!
هب ” سليم ” واقفًا من مكانه وفال بنبرة غاضبة:
_ بكفاية لحد كِده يا سالم اللي فات مات و شكلك كِده لساتك جلبك اسود.
تدخل ” أدهم” وقال بهدوء:
_ صلوا على النبي يا چماعة المواضيع ديه جديمة إيه اللي بيخلكم تفتحوا فيها دلوجه.
_ ابوك السبب يا أدهم أنا بس بفكره إن بنات الناس مش لعبة عشان كل يوم و التاني يجوز ابنه واحدة منهم .
_ اوعدك يا عمي إن اللي حُصُل زمان ما هيحصلش مرة تاني .
بعد مرور عدة ساعات من المناقشة الطويلة ذهبت عائلة الهواري إلى منزل ” زبيدة” منزل متهالك بشكلٍ كبير
الأثاث بالكاد يحمل هرة و ليس أشخاص، كان “أدهم” يتابع المكان في صمتٍ تام، أما ” عاصم” فـ كان في عالم آخر يجلس بجسده لكن عقله في زوجته المتوفاة.
ولجت ” زبيدة” وهي تحمل العصائر بين يدها، صافحت العم سالم والد صديقتهل ثم عرفها على العائلة، إبتسامة خفيفة كانت مرسومة على شفتاها، بعد أن تعرفت عليهم جميعا عرفتهم عن نفسها حين قالت بهدوء:
_ أنا مُدرسة في مدرسة ابتدائي
سألها ” سليم ” بجدية:
_ و عندك كام سنة ؟
أجابته بهدوء:
_ سبعة وعشرين سنة
حرك رأسه و قال:
_ زين زين أصغر من عاصم بتلات سنين
سألته بفضول خفي :
_ ومين بقى عاصم ؟
أشار بيده تجاه ولده و قال:
_ ديه الباشمندس عاصم الهواري، اتحدتوا ويا بعضكم عشان تتعرفوا على بعض أكتر.
رد ” عاصم” بنبرة مقتضبة:
_ هي سيرة تعارف اتعرفت خلاص.
لكزه ” أدهم” في كتفه ليعدل حديثه لكنه لا يبالي تنحنح وهو يعتذر بدلا من أخيه:
_ معلش هو كِده مدب بس هو يجصد إن اتعرف على اسمك و كِده .
رغم مرارة حلقها و الإهانة التي وصلتها منه إلا إنها ابتسمت لأخيه ثم قالت:
_ ولا يهمك .
بعد مرور نصف ساعة من الجلسة العائلية، دخلت الجدة برفقة زوجة ابنها و حفيدها، نظرت له ثم قالت بتساؤل:
_ أنت العريس
تنهد بعمق ثم قال:
_ ايوة
ردت الجدة زبيدة و قالت:
_ و مالك بتقولها من تحت الضرس ليه مغصوب ؟
ضحك ” أدهم” و قال:
_ و هو في حد دلوجه بيتغصب على الچواز يا ستي إذا كانت البنات بترفض و تجبل ما بالك بالراجل بجى .
سألته بفضول قائلة:
_ و أنت مين بقى اخو العريس ولا ابن عمه ؟
_ لا اخوه
_ و اسمك إيه بقى؟
_ أدهم
_ و بتشتغل إيه يا أدهم ؟
_ دكتور
ردت بإبتسامة قائلة:
_ ربنا يحفظك يا ابني
تابعت وهي تشبر بيدها تجاه حفيدها بفخر واعتزاز قائلة:
_ و ده عثمان أخو العروسة دبلوم صنايع قد الدنيا
سخر ” سليم ” من شهادته وهو يقول:
_ كهربائي يعني!
نظرت له الحاجة زبيدة و قالت:
_ ماله ده ؟ مش عجبك شهادته و لا إيه ؟ يكون في معلومك ده مجموعه كان يدخل ثانوي عام بس هو اللي خدها من قاصرها و دخل صنايع اللي مش عجبك ده كان هيبقى مهندس قد الدنيا .
تابعت الجدة و هي تنظر لحفيدها وقالت:
_ شايف يا ابن الكـ.. خليت اللي يسوى و ميسواش يتريق علينا .
_ معلش يا ستي عديها الناس في بيتنا
اعتذر ” سالم” و هو يقول:
_ معلش يا أم محمد اخويا سليم بيحب يهزر بس هزاره تقيل حبتين .
ردت الحاجة زبيدة و هي تنظر لـ سليم:
_ ولا يهمك يا سالم يا ابني ما أنا كان عندي اللي زيه كده بس الله يرحمه محمد ابني كان متربي .
**********
عودة للأحداث الحالية
تم عقد القران بعد خطبة دامت لستة أشهر قررت خلالهم “زبيدة” الانفصال عن “عاصم” أكثر من عشر مرات، لم
تتحمل طباعه الحادة و غير المفهومة، ولكن مع رحاء الجدة و تحايل الأم كانت توافق على الاستمرار، اليوم هو يوم حفلة وداع العروس من بيتها، ظنت أنه سيأتي و يحضر الحفل كما يفعل أي عروسان لكنه حدثها بنبرة غاضبة طالبًا منها عدم إعطائه أي أوامر.
حتى هذا اليوم لن يرأف بها و يتركها تسعد به، الوضع بالنسبة له غاية في الصعوبة، غدًا تحديدا كان نفس اليوم الذي توفت فيه زوجته السابقة و رغم ذلك تعمد والده وضع هذا التاريخ ليمحي ذكرها هذه بتلك .
في يوم الزفاف
أتت ” شهد” لتودع صدايقتها المقربة و الوحيدة بعد قطيعتها مع ” ليلى” حدثتها عن أحلامها الوردية و التي على ما تبدو ستظل هكذا، احتواتها بكلامها كسابق عهدها معها، صافحتها و القت عليها الوصايا العشر التي من بينهما أن تعاود الحديث مع صديقتها لكنها رفضت
تفرقتا و كلًا منهما ذهبت في طريقها، ما إن اختفت
” زبيدة” عن أنظارها عبرت ” شهد” الطريق و قبل أن تصل للطريق الآخر اصطدمت بسيارة فارهة، لم تتوقف السيارة لتنقذها بل غادرت كالبرق في سرعته .
بعد مرور ساعة كاملة من القائها على الطريق تم نقلها إلى المشفى العام، و بعد اتخاذ كافة الاجراءت و نقلها لغرفة العمليات على وجه السرعة، علمت عائلتها الصغيرة المكونة من أبيها و أمها، وصلوا بسرعة و قلوبهم تتسارع لتصل لابنتهما الوحيدة .
ما إن وصلوا للممر الخاص بغرفة العمليات وجدوا الطبيب يخرج من غرفة العمليات يخبرهم بأسوء الأخبار على الرغم أن العمليات متاخة لحل مثل هذه الحالات إلا أن الحالة المادية لديهم تعد تحت خط الفقر، فـ من الأفضل أن ينتظروا دورهم في جدول المرضى على نفقة الدولة .
*******
بعد مورور ثلاثة أشهر من خروجها من المشفى
كانت ” شهد” جالسة داخل غرفتها حين دخلت عليها أمها تخبرها بوصول ” زبيدة” لزيارتها، رحبت بها وهي تقول:
_ خليها تيجي يا ماما سايبها واقفة بره ليه ؟
ولجت ” زبيدة” و هي تحتضنها بقوة ثم نظرت لها و قالت:
_ وحشتيني و الله يا شهد عاملة إيه يا حبيبتي ؟
ابتسمت لها بمرارة و هي تضغط على يدها و قالت:
_ الحمد لله يا زبيدة أنتِ عاملة إيه ؟
عجزت عن الرد فقالت والدة شهد بهدوء:
_ طب أنا هروح اعملكم اتنين عصير مانجا انما إيه متقوليش لعدوك عليه .
ما إن غادرت والدتها سألتها مرة أخرى لترد عليها بمرارة قائلة:
_ أنا مش كويسة خالص يا شهد
_ ليه كده ؟
_ عاصم كل يوم سهران في حتة شكل وشُرب و قرف
_ هو أنتِ مكنتيش تعرفي ده قبل الجواز ؟ اقصد ليلى محكتش ليكي حاجة زي كده ؟
ردت على سؤالها بسؤالا آخر قائلة:
_ كنتي عارفة كل ده و مع ذلك مقولتيش يا شهد ؟ ليه يا شهد هو أنا مش صاحبتك ؟
_ مكنتش اعرف غير قبل جوازك بكام يوم و بالصدفة و مكنتش عاوزة اكسر لك فرحتك يا زبيدة
ردت ” زبيدة” قائلة بمرارة:
_ بس أنا مفرحتش أصلًا يا شهد عا٢م كسر لي فرحتي في كل تفصيلة معاه و مش عارفة هو بيعمل معايا كده ليه
ردت ” شهد” قائلة:
_ بس عاصم معذور يا زبيدة هو بس خايف يعمل ذكريات تاني و جرحه لسه مخفش
_ مكنش جه ليا بقى يا شهد مكنش جه .
هدأت نفسها ثم قالت:
_ سوى جه دلوقتي و لا بعدين كنت هوافق عشان اخرج من اللي أنا في و اخفف عن أهلي المصاريف.
ختمت حديثها بقهر قائلة:
_ أنا بس حسيت اني بعت نفسي لما وافقت .
بعد مرور ساعة من هذه الجلسة عادت لبيت أهلها جلست بين أمها و شقيقتها تتبادل أخبار الحارة هنا و هناك حتى سألتها و الدتها قائلة بفضول:
_ إيه مفيش اخبار حلوة بقى و لا إيه ؟
_ أخبار إيه ؟
يعني بقالك تلات شهور و منسمعناش عن حاجة جاية في السكة ؟
ابتسمت إبتسامة حانبية و هي تخبرها بمرارة قائلة:
_ و هيكون في حاجة جاية في السكة ازاي و عاصم مقربش مني لحد دلوقتي يا ماما ؟
يتبع 🔥❤️🫰
الــفـصـل الثاني
♡♡♡♡♡♡♡♡
ابتسمت إبتسامة جانبية و هي تخبرها بمرارة قائلة:
_ و هيكون في حاجة جاية في السكة ازاي و عاصم مقربش مني لحد دلوقتي يا ماما ؟
لطمت الأم بيدها على صدرها و هي تقول بدهضة وذهول شديدان:
_ يالهوي يا زبيدة أنتِ بتقولي إيه ؟
كفكفت دموعها وهي تقول بهدوء:
_ اللي سمعتيه يا ماما و أنا بصراحة كده ناوية اطلق بس مش دلوقتي منتظرة بس لما عثمان يحدد فرح ويخلصه على خير كفاية تأجيل بقى عثمان داخل على الخمسة وتلاتين سنة و خطيبته ملهاش ذنب نأجل تاني كل شوية.
_ سيبك من اخوكي وخطيبته دلوقتي و احكي لي إيه السبب ؟
وقفت من على حافة الفراش تلملم ملابسها لتضعها في الحقيبة و هي تخبرها مقططفات من حكايتها:
_ مش عارف ينسى مراته و مش قادر يعيش حياة تانية حاسس إنه أناني لو عمل كده
سألتها “سهام” شقيقتها بنبرة مغتاظة و قالت:
_ و احنا ذنبنا إيه مالنا بالحوارات دي خبط على بابنا وجه ليه من أساسه !!
استدارت بجسدها كله ثم قالت بنبرة مختنقة إثر الدموع :
_ هو مخبطش على بابنا أبوه واخو هما اللي خبطوا هو مكنش هيخبط على باب حد أصلا هما اللي أجبروا على الجواز .
كفكفت دموعها و هي تختم حديثها:
_ غيروا الموضوع أنا مش عاوز اتكلم في ومحدش يجيب سيرة لـ عثمان مش عاوزين نشيل النفوس من بعض .
خرحت أمها من الغرفة تاركة ابنتها الصغرى تخفف عنها ما تحمله بداخلها من حزن وهم، ما إن خرجت وقفت “سهام” أمامها تمسح لها دموعها ثم جذبتها لحضنها وهي تمسد بيدها على ظهرها، و كأنها أعطت لها الإشارة لتبدأ هي في وصلة البكاء، شاركتها البكاء وحاولت بكل قدرتها أن تخفف عنها .
**********
في ظهر اليوم التالي
كانت ” زبيدة” في زيارة سريعة لصديقتها قبل مغادرة القاهرة جلستا تتبادلان أطراف الحديث هنا و هناك قبل أن تأمرها ” شهد” بأن تذهب حيث الخزنة وتخرج منه محارم مطرزة بإسمها و اسمم “عاصم” و تاريخ زفافهما
تفقدته ثم نظرت لها وقالت بحزن دفين:
_ ياريتك سألتيني قبل ما تعملي كنت قلت لك متتعبيش نفسك.
_ ليه بس كده خدي و اعتبريها بشرة خير.
فرغ فاها لترد لكن قاطعها صوت رنين هاتف ” شهد” التزمت الصمت حتى ترد صديقتها على المتصل، ثوانٍ معدودة و قالت:
_زبيدة خدي كلمي عاصم جوزك عاروزك
اردفت ” شهد” عبارتها و هي تضع هاتفها بين يدها تناولته و الدهشة ترتسم على وجهها ، رفهت الهاتف على أذنها وقالت بهدوء
_ الو
سكتت مليًا لتسمعه ثم ردت بعدها و قالت:
_ تمام مفيش مشكلة أنا منتظراه اهو شكرا مع السـ…
نظرت للهاتف وجدته انهى مكالمته قبل أن يستمع حتى لباقية ردها اعادته لـ شهد و قالت:
_ ده مسمعنيش حتى لما اخلص كلامي قفل بعد ما قال كلامه
تابعت بنبرة مختنقة قائلة:
_ أنا زهقت من العيشة دي لا حياة زي الناس ولا معاملة زي الناس زي ما يكون أنا اللي موت مراته يا شهد
ربتت على ظهر يدها ثم قالت بمواساة:
_ معلش بكرا ربنا يهديه و يعاملك معاملة الأميرات أنا عرفت من عم سالم إن مكنش في احن منه و كان بيحب الهزار و الضحك
ضاق صدرها و انهارت باكية:
_ و أنا ليه اشوف الوش الوحض أنا ذنبي إيه يا شهد لا اعرغه ولا يعرفني واتقدم لي و حاي مغصوب وحاولوا يمشوا الجوازة عشان يفضل لي في الاخر واحد ملوش علاقة بالدنيا غير إن يشرب ويسهر و بس!
تابعت بمرارة قائلة:
_ ده ولا مرة يا شهد سألني نفسك في إيه ده مبعرفش عني أي حاجة اللي بيجبني ويوديني أدهم اخو لو احتاجت حاجة اطلبها من أدهم لو حبيت اخرج اخلي ادهم يتوسطلي عشان يرضى يخرجني
سألتها ” شهد” بفضول قائلة:
_ هو بيمد ايده عليكي ؟
اجابتها بنفي قائلة:
_ مبيمدش ايده ولا له علاقة بيا أصلا
ختمت حديثها قائلة بمرارة:
_ اتحداكي و اتحداه لو فاكر شكل ملامحي إيه يا شهد و الله لو مشيت في الشارع ما هيعرفني، أنا زهقت من العيشة دي خلاص جبت أخري منها و مش قادرة عليها .
سألتها ” شهد” بنبرة حزينة:
_ هتعملي إيه بس يا زبيدة ؟
أجابتها بنبرة لا تقبل النقاش :
_ أنا كنت منتشرة سهام أختي تتجوز و عثمان اخويا خلاص حدد معاد فرحه كده الحِمل خف على ماما و ستي جامد
تنهدت ثم قالت:
_ عثمان اخويا هيكتب كتابه الشهر الجاي و هيتجوز يعني اللي باقي لي معاه شهر بس مش هجيب سيرة لحد اني هطلق و مش هنكد على حد في زيارتي المرة مش هرجع مع أدخم وهطلب الطلاق .
سألتها ” شهد” بنبرة حزينة:
_ و يقولوا إيه الناس لما تتطلقي بعد أربع شهور بس من جوازك ؟
أجابتها بنبرة مختنقة:
_ مش مهم الناس يقولوا اللي يقولوا، الناس مش هتفدني بحاجة لما عمري يجري مني وأنا زي البيت الوقف لا متجوزة و لا أنا بنت في بيت ابوها يا اختي أنا كنت في بيت ابويا بأكل وبشرب وعايشة مرتاحة انما لما اتجوزت عيشت حياة عمري ما كنت اتخيل اعيشها ولا اتمناها لأي بنت تعيش عيشتي دي .
صدح رنين هاتف ” شهد” مرة أخرى تناولته لتعرف من المتصل نظرت لها ثم قالت بهدوء:
_ ده عاصم
انسحبت ” زبيدة” في هدوء و هي تقول:
_ قولي له مشيت مش عاوزة اسمع صوته ولا حتى اشوفه و ادعي لي ربنا يعدي الشهر الجاي على خير عشان اطلق و ارجع لحياتي قبل ما يدخلها عاصم .
عاد رنين هاتفها يصدح مرة أخرى تردد في بادئ الأمر أن تتدخل وتخبره ولكن دفعها قلبها بأن تخبره ببعض الأمور وليس كلها و عليه أن يتصرف بحكمة إن أراد تغيير حياته، ضغطت على زر الإجابة و قالت بهدوء:
_ أهلًا يا باشمهندس ممكن حضرتك تسمعني لا هي نزلت من بعد ما كلمتها، أنا عارفة إن دي حاجة متخصنيض وميصحش إني اتكلم فيها بس يعز عليا زعل صاحبتي و اشوفها وهي ضيقة كده لا هتكلم على طول مش هاخد من وقتك كتير، بصراحة كده وبدون دخول في تفاصيل زبيدة ناوية تتطلق منك و متسألنيش ليه أنا معرفش أكتر اللي حكيته هي قدامها شهر وبعدها هتقولك وهي جاية القاهرة انها عاوزة تتطلق فـ لو أنت عاوز تكمل صلح الغلط ولو مش عاوز يبقى ربنا يكتب لكم الصالح وكل واحد حر في قراره، آسفة اني طولت عليك بس مقدرتش اسكت أكتر من كده .
**********
تقابلت ” زبيدة” مع “أدهم” استقلت سيارته، سألها عن الأسرة و أحوالها فـ أخبرته عن جديد عائلتها و خبر قرب زواج أخيها، ثم ساد الصمت طوال الطريق كانت شاردة تعشق السفر عبر السيارة لتشرد في الطريق كم تمنت ولو لمرة واحدة يأتي زوجها يجتمع مع عائلتها
الوضع أصبح لا يُطاق، كيف ستتحمل شهر بأكمله تحت سقف واحد معه.
بعد مرور عدة ساعات
وصلت لمنزلها عفو سجنها معه، صعدت الدرج متجهة حيث غرفتها تقابلت مع أبيه الذي انتقد تصرفها للمرة المئة بعد الالف حين قال:
_ مش بكفاية كده يا زبيدة ولا إيه ؟
_ خير يا عمي ؟
_ كل يوم والتاني تتحنجلي وتروحي بيت ابوكي وتجعدي لك سبوع بحاوله و ديه مش عاويدنا و اللي زاد وغطى عشان نكلمك نلف مصر كلتها عشان نكلمك .
ضاق صدرها و لم يعجبها قوله فقررت أن ترد بطريقتها:
_ و الله يا عمي أنا بروح مرة في الشهر بقعد خميس وجمعة وباجي السبت و بالنسبة للتليفون فأنا مش معايا تليفونات للأسف مش قصة اني مش عاوزة ارد على حضرتك .
ارتفع صوته و هو يقول:
_ و قمان بتردي علي؟
كادت أن ترد لكن تتدخل ” أدهم” و هو يقول :
_ هي بتفهمك بس يا ابوي اللي حُصُل صلوا على النبي كده احنا داخلين على شهر مفترچ كل سنة و انتوا طيبين يا چماعة رمضان بعد بكره .
وأنت طيب يا دكتور أدهم .
قالتها” زبيدة” و هي تسير تجاه غرفتها بينما أشارة أبيه عليها و قال:
_ شايفة آخر مچايب عمك چابلنا واحدة معدتش عليها الرباية واخوك سايبها تعمل ما بادلها
رد ” أدهم” بهمس وقال:
_ فوتها لحالها يابا الله يرضى عنيك بكفاية اللي هي فيه وبكغاية متحملة ولدك ببلاويه متبجاش أنت وولدك والزمن عليها .
رد أبيه بنبرة مغتاظة و قال:
_ دافع لها ياخويا دافع لها أني مخابرش عينوك محامي عنيها ولا إيه ؟!
******
داخل غرفة ” زبيدة” و عاصم”
وجدته في سباتٍ عميق، وضعت حقيبة يدها بهدوء ثم اتجهت حيث خزانة الملابس، لتخرج منها منامة مريحة
سحبت واحدة وولجت المرحاض.
تقلب ” عاصم ” في نومته لتقع عيناه على حقيبة يدها
تنهد بعمق ثم نهض من الفراش، غادر الغرفة بأكملها و هو يغلق بابها بعنف .
خرجت من المرحاض في نفس التوقيت الذي خرج هو من الغرفة جلست أمام المرآة تصفف شعرها المبلل في دقائق معدودة، اتجهت حيث الفراش ومددت عليه جسدها .
عاد بهدوء كما خرج وجدخا ممدة على الجهة التي كان يرقد فيها، تنفس بعمق و لم يحدثها، مدد على الفراش وهو يضع على صدرها علبة بداخلها هاتف جديد انتفضت وهي تقول:
_ بسم الله الرحمن الرحيم في إيه يا عاصم
حدثها بنبرة تملؤها النعاس و قال:
_ خُدي تلفونك طلعتي عيني عشان اوصلك النهاردة .
فرغ فاها لترد لكنه ربت على شفتاها و قال:
_ بكره بكره نتكلموا
وفي لحظات كان في سباتٍ عميق من جديد، أما هي فكانت تقلب الهاتف يمينا ويسارًا بين يدها، لم يكن جديدًا عليها أن يمدد جوارها لكن الجديد عدم خروجه اليوم ظلت تفكر حتى غلبها النعاس و نست أمر الهاتف وقصته .
********
في عصر اليوم التالي
كانت في سباتٍ عميق ولم تشعر بشئ حتى وقعت زجاجة العطر لتصدر صوتًا متداخل مع تأواه، انتفضت من نومها وجدته يسب حاله مرة و يلعن ما حدث له الف مرة كادت تقترب لكنه أشار و قال بضيق:
_ بعدي في ازاز اهنى
_ طب أنت كويس ؟
_ ايوة
_ ايوة ازاي بس وأنت ايدك مفتوحة انادي على أدهم يخيطها
هب واقفًا من مكانه ليأتي بالسلة ذهب و عاد أكثر من مرة حتى انتهى من لملمت كل شئ، جلس على طرف الفراش و قال:
_ أني نازل اصلي الچمعة
_ تصلي ؟!
_ إيه غريبة ولا إيه ؟
رفعت كتفيها وقالت:
_ لا عادي
تابعت بنبرة هادئة:
_ استنى بس اطهرلك الجرح عشان تعرف تصلي .
هرعت تجاه المرحاض وعادت سريعًا بيدها علبة الاسعافات الأولية، فتحت له باطن كفه الأيمين لتمسح الدم ثم بعد ذلك قامت بتطهيره وهي تقول:
_ الحمد لله جرح بسيط كنت فاكراه كبير.
كان شاردًا في اللاشئ كعادته اليوم تحديدًا يحاول بشتى الطرق أن يجعله يمر مرور الكرام، أما هي فكانت منتبه في تطهير يده فقط.
سألها بهدوء قائلًا:
_ أنتِ تعرفي شهد منين ؟
تعجبت من سؤاله لكنها أجابته به