انا ووشمي وتعويذة عشقك

الفصل الأول
———-
في صباح أحد الأيام و تحديدًا الساعة التاسعة صباحًا، كانت تضع لمسـ ـاتها الأخيرة قبل رحيلها، نظرة أخيرة لتطمئن على مظهرها، ثوبها الوردي و وشاحها الأبيض اعطى لها شكلًا جميلًا، هي تعشق هذه الالوان، جذبت حقيبتها الجلدية ذات اللون الأسود وخرجت من غرفتها، سارت بخطوات هادئة متجهة نحو المائدة المستديرة، جلست على مقعدها وبدأ في تناول وجبة الإفطار، الجميع في حالة من الصمت، لا تعرف لماذا الصمت الذي حال فجأة هكذا، على الرغم من اقتراب موعد شقيقتها إلا أن حالة الحزن مخيمة على الجميع، تناولت القليل من الجبن مع قطع الطماطم ثم رشفات سريعة من الشاي الساخن، سرعان ما وقفت عن مقعدها و هي تهندم ملا بسها للمرة الأخيرة، القت السلام ثم غادرت و قبل أن تغلق باب الشقة استوقفتها والدتها وقالت بإستفهام
- متنسيش يا نبيلة تجيبي الحاجات اللي قلت لك عليها وتعدي على الخياطة تشوفي الهدوم خلصت و لا لأ، عشان اختك مشغولة
استدارت ” نبيلة ” بجسدها وقالت بغضبٍ مكتوم من والدتها التي لم ترأف بحالتها المادية أبدًا وتطلب منها فوق طاقة تحملها
- حاضر يا ماما ربنا يسهل ها شوف كدا هعمل إيه و هقدر اجيب ايه ادعي لي أنتِ بس
جُملتها المعتادة لتخبر والدتها بأن المبلغ المتبقي معها بالكاد يكفيها، لكن لا حياة لمن تنادي، خرجت من السجن الذي تقطن فيه إلى الحرية، تتنفس الهواء بعمقٍ وكأنها كانت محرومة من هذه الحركة، يسمح لها والدها الخروج صباحًا للذهاب إلى عملها
حتى تأتي له بالمال الذي يجمعه لها على حد قوله
سارت بخطوات هادئة اقتربت من دكان حبيبها ودقات قلبها تتسارع، كل شئ تفعله يهون مقابل هذه المقابلة الصباحية، وعدها بالز و اج وطلب منها التحلي بالصبر فقط أن تتحلى حتى يحين الوقت
تأجلت زيارته لأبيها يومًا بعد يوم عامًا تلو الآخر، وها هو يأجل للعام الخامس على التوالي زيارته هذه المرة لم تتحدث لأن شقيقتها ستـ ـتزوج وأخذت كل ما ادخرته هي لنفسها، كان قلبها يتمزق على متعلقاتها اللتي شغلتها بـ ـيده ليلًا، تراجعت سريعًا ما إن رأت مجموعة من رجال الشرطة تجتمع حول دكان حبيـ ـبها، وأحدهم يقف جواره وبيده أكياس بلاستيكية بها قطع صغيرة من المخدرات وضعت يـ ـدها على فاها لتكتم صدمتها مما رأته للتو .
ظلت تتابع المشهد بأعين ذاهلة، كيف، متى، ولماذا يعمل في تجارة المخدرات هو صاحب محل مشغولات نحاسية، ويأتي إليه الكثير و الكثير، حتى السُياح يأتون إليه، لا تعرف من أين أتت بكل هذه الجرأة لتكمل سيرها متجهة حيث محل عملها في مجال المشغولات اليدوية المخصصة لزينة المرأة تبدل حال يوميها بل حالها ككل، فتى أحلامها يساعد في تدمير عقول الشباب، من أين أتى بهذه الجراة ليفعل بقلبها ما فعل، كانت تشعر بنياط قلبها تتمزق، دمر لها احلامها و حياتها، طوق النجاة التي كانت تحسبه خيرًا ابعده الله عنها، ترددت الأقاويل حول قضية ذاك الحبيب الغادر، اصبح علكة في فم الجميع، فقدت السيطرة على اعصابها لو رأت أحدًا يُلقي عليها تحية الصباح لقتــ ـلته في الحال، ولج شاب طويل القامة عريض المنكبين، ذو بشرة سمراء و عينان بُنية داكنة، يميز وجهه شارب كثيف تتوارى خلفه شفتاه الغليظة قليلًا، يُدعى ” عبد الكريم ” هذا الشاب افضل شباب جيله، حيث السُمعة الطيبة و الشهامة و الكرام، تجاوز الخامسة و الثلاثون من عمره ومازال أعزب، قلبه معلق بها وهي لا ترأه من الأساس، و لكن لا بائس هو يناجي ربه ليلًا نهارًا لترضى بهِ زو جًا، فـ صبرًا جميلًا .
❈-❈-❈
و ضع ” عبدالكريم ” الصناديق الخاصة ببعض أدوات التصنيع، ثم جلس ليلتقط أنفاسه و هو يجفف حبات العرق المتكونة أعلى جبينه، بطرف قميصه الأسود، كانت عيناه تسترقان النظر إليه، اليوم ليست كسابق عهدها، تُرى ماذا حدث، هل هي غاضبة بسبب والديها أم قام بتوبيخها مدير المحل ؟
انتشله من بئر أفكاره صوت ذاك الرجل العحوز و هو يشير بيده آمرًا إياه أن يحمل الصناديق إلى المخزن الداخلي و راح يقول بحدة
- شيل يا عبده الصناديق دي جوا يلا وهات الأسور و السلاسل عشان نبيلة تقفلهم عشان النهاردا الفرع الرئيسي جاي ياخدهم
أومأ برأسه و قال بلسانه الثقيل و حروفه المتلعثمة قليلًا
-حـاضـر يا عدلي
بدأ في حمل الصناديق و ترك ” نبيلة ” تتحدث مع صاحب المحل عن النقوشات المطلوبة، و ما الأدوات التي تنقصها لتُنهي عملها كما يجب أن يكون، عاد من جديد و بين يده العمل المطلوب، جلس مقابلتها و بدأ يساعدها
في ترتيب الأشياء حسب أولويتها، تردد كثيرًا في فتح باب الحديث، دائمًا صامتة دائمًا تحدثه داخل إطار عمله، يريد أن يخبرها برغبته في الز واج منها، و هي لم تدع له فرصة واحدة لفعل ذلك، ظل شاردًا في ملامحها حتى لوحت بيدها أمام وجهه وقالت بنبرة ساخرة
- مالك يا عبده سرحان فيا كدا ليه
حرك رأسه علامة النفي وقال بكذب وهو يحاول أن يوضح مخارج الفاظه لتفهم مايريد قوله
- مافيش أنا بس سرحت شوية
تابع بتذكر وهو يخرج مبلغ من المال وقال
-معلش يا نبيلة نسيت اديكِ الجمعية، هو أنا هقبضها الشهر دا ؟
تناولتها “نبيلة ” منه ثم قامت بعدها ببطءٍ شديد و هي تنظر إليه لتبدء في مقدمات لا حصر لها ليرد بعتذار قائلا
– أنا مش فاهم حاجة أنا عاوز اعرف هو دا دوري ولالأ ؟
– بص الشهادة لله دا دورك بس أنا بستأذنك يعني اخدها أنا الشهر دا عشان فرح أختي وأنت الشهر الجاي
– بس
-و الله العظيم يا عبده هتاخدها الشهر الجاي و عد مني أنا عارفة إن دي تاني جمعية اعمل فيك كدا بس معلش أنت عارف ظروفنا و إن اختي دعاء هتتجوز خلاص معلش يا عبده تعال على نفسك المرة دي
توسلها ورجائها الممزوجة بالإبتسامة الواسعة جعلته يرضخ لرغبتها معلنًا استسلامه كالمعتاد
تلك الغبية لاتعرف إن هذه النقود هي نقود مصوغاتها الذهبية التي يريد أن يبتاعها لها و كيف تعلم و هو كالتمثال أمامها، باشر عمله في هدوءٍ تام بينما بداخله بركانًا من الغضب لم يختلف حالها عن حاله كثيرًا فهي أيضًا تشعر بالغضب لكنعا بارعة في كتم غضبها في و قت عملها.
❈-❈-❈
في منزل ” عبد الكريم ”
جلست والدته تتناول وجبة الإفطار في هدوء حتى و لج شقتها من يعكر صفوها دائمًا، زوجات ابنائها عاشقات في فعل ذلك، و لكنها لم تترك لهن المجال، قامت بسحب الأطعمة أسفل الأريكة الخشبية، و قبل أن تتحدث سألها ابنها الأكبر قائلًا بسخرية
– إيه ياما بتداري الأكل ليه تحت الكنبة متخافيش احنا فاطرين فوق
– و ها داري ليه ياحبيبي أنا بس شبعت والحمد لله
– طب ياما انا عاوز 300 جنية سلف منك لآخر الشهر
مصمصت والدته شفتيها ساخر و هي تقول بكذب كعادتها في مثل هذه المواقف الشهرية
- منين يا حبيبي كان على عيني و الله كل معايا 100 جنية هكمل بيهم الشهر
ضحك ابنها وهو يتسأل بتعجب قائلا
– بقى 100 جنية هتكملي بيها يافوزية و بعدين أنا طلبتهم من عبده و هو قالي هاسبهم مع أمك بليل لما ارجع من الشغل
– ممدوح عاوز إيه فلوس مش معايا ولو معايا مش هاديك، و اخوك ماسابش معايا حاجة ارتا حت كدا ؟!
ردت زوجة ممدوح وقالت بنبرة مغتاظة و هي تلوك العلكة في فمها يمينًا يسارًا
– ليه يا خالتي ما هو بيستلف و بـ يرجعهم
– ايوة و بيرجعهم إمتى يا حبيبتي بعد ما الشارع كله يتفرج علينا و بعدين مالك أنا و ابني بتتدخلي ليه
همت زوجة ممدوح لترد فـ غمز لها زوجها مانعًا إياها ليستطيع أخذ النقود من و الدته لكنها كانت صارمة، حاسمة، ورفضت إعطائه من فعل ذلك، ا رتشفت رشفات سريعة من الشاي الساخن غير مبالية بما يحدث حولها، غادر ا لجميع وبقت هي وحيدة بعد أن فشل ابنائها في إقناعها بإعطائهم النقود المطلوبة، أتت إحدى جاراتها و بدأت تحدث عن ما حدث بالوصف التفصيلي، سألتها الجارة قائلة بفضول
– طب و افرضي سأل عبده ها تقولي إيه
– هاقل له اديته الفلوس و هو بيكدب عليك عشان زيادة ممدوح لو لاقى عبده جنية هياخده و الواد غلبان نفسه يلم نفسه و يتجوز وأنتِ زي ما أنتِ كدا شقته عاوزة فلوس قد كدا عشان تخلص
تابعت بحماس شديد وقالت
– قولي لي أنا ها قبض الأسم بتاغي إمتى ؟
– الشهر دا بأمر الله
– طب كويس خليهم معاكِ لحد ما ممدوح يدفع لك الفلوس
ختمت و الدة ” عبد الكريم” حديثها قائلة بتحذير
– اوعي يا دعاء تقولي لـ مراته إني داخلة معاكِ و لا دا الإسم بتاعي احسن يقولوا مش معانا ندفع و الفلوس تروح عليا
– لأ متقلقيش أنا مش بعرف حد مين داخل
❈-❈-❈
في مساء نفس اليوم
التف الجميع حول المائدة لـ تناول وجبة العشاء
الأطفال يلعبون في ساحة البيت، و الأبناء يتبادلون أطراف الحديث مع أخيهم “عبدالكريم” الذي خيم عليه الحزن اليوم، علمت والدته سبب حزنه و قبل أن تخبره أنها لديها الحل السحري، دخلا اشقائه وصمتت هي و قامت بتحضير وجبة العشاء، و عند عودتها وجدت ابنها ” ممدوح” يخبر اخيه عن احتياجاته و متطلبات البيت و قبل أن يُنهي حديث دس ” عبد الكريم” يده في جيبه ليخرج مبلغ مادي التقطه ” ممدوح ” كالبرق في سرعته و لكن لم تتدوم فرحته كثيرًا فقامت والدته ذات الحركة، مبررة فعلتها قائلة:
- معلش يا ممدوح بس دي فلوس البقال و الجزار علينا ديون يا ابني معلش
اتسعت أعين ” ممدوح” عن آخرها و قبل أن ينطق بحرفًا واحد، تابعت بسعادة قائلة
- اخوك عبده هايخطب خلاص
رد ” حمدي” قائلا بسخرية
- و دي مين اللي أمها داعت عليها ورضيت بي
ذلة لسان، إهانة، و سخافة اعتاد عليها من الجميع بسبب تلعثمه في الكلام، لكنه لم يعد يهتم لهذه التافهات، كانت والدته كالدرع الواقي له من صدامات الغير و تحديدًا اخواته
تناول وجبته و هو يشعر بالمرارة في حلقه لكنه استمر حتى لا تصنع أمه مشاجرة جديدة معهم، انتهى سريعًا من وجبته و ذهب إلى المطبخ ليصنع كوبًا من الشاي الساخن، و قبل أن يلج غرفة نومه نادته والدته و اخبرته بترتيباتها لن ينكر أن مفاجاة والدته هي التي اثلجت صدره حقا، جلس و بدأ يصغى إلى جيدًا و هي تسرد كيف دبرت النقود، طلبت منه العفو قائلة بحزن
- متزعلش مني ياعبده بس أنت عارف اخواتك لو لاقوك. جنية هياخدوك و أنت غلبان انا يا ابني قلت احسن العمر مش مضمون و بعدين اخواتك يقولوا امك سابت فلوس معاك و أنت تصدق و تديهم
ضمها لحضنه بعد أن قبل يدها ثم رأسها و قال بإمتنان
– تسلم دماغك ياما و الله ماعارف اقل لك إيه
– تقولي إمتى هنروح نطلب نبيلة و نفرح بيك
– اختها هتتجوز الخميس الجاي خليها
قاطعته و هي تقول بحماس بعد أن عانت في جمع جملة مفيدة من حديث الذي يستمر طويلًا.
– و ليه يا حبيبي نأجلها احنا نروح بكرا و لا بعده نطلبها و نحجزها و نديهم ست شهور يحضروا نفسهم نكون احنا كمان حضرنا نفسنا
❈-❈-❈
في منزل ” نبيلة ”
كانت تستمع لوالدتها التي تشكو دائمًا من قلة النقود، لم تستطع تحمل هذه الشكو انفجرت فيها قائلة بغضبٍ جم
- في إيه ياما كل شوية مافيش مافيش اومال إمتى بيبقى في ؟ و بعدين اجيب لك منين ؟ و بعدين فين معاش ابويا و لا مرتب دعاء هو أنا بس اللي معايا فلوس ؟
ردت والدته بنبرة مغتاظة لا تختلف عن نبرة ابنتها و قالت بسخرية و هي ترتب حقائب ابنتها العروس
– معاش سلامات يا معاش معاش إيه دا يابت اللي يجهز عروس و لا يفضل طول الشهر و لايسد ديون، دا أنا لولا بدبر قرش من هنا على قرش من هناك كنا اتفضحنا ربك ياختي بيسترها، و اختك دعاء شالت ايدها خلاص من المصاريف و قالت دبروا نفسكم أنا ماشية آخر الشهر دا وروني هتعملوا إيه بقى من غيري ؟
– اه و المفروض عليا اشيل الليلة دي كلها لوحدي صح ؟
– اعمل إيه أكتر من اللي بعمله كل قرش معايا بحطه في و قرش منك على قرش من ابوكِ و الدنيا بتمشي، خلاص ياختي هانت كلها يومين تلاتة و اختك تتـ ـجوزها و بعدها الدور عليكِ و
قاطعتها ” نبيلة” قائلة بنبرة لاتقبل النقاش و هي تضرب بكفها على الآخر
- ريحي دماغك أنا مش هتجوز أنا هقعد جنبك
ردت والدتها مقاطعة بسرهة و هي تنهرها و تعنفها قائلة
- تقعدي جنبي تعملي إيه ياعنيا ياختي أنا خليني اخلص منكم واحدة ورا التانية دا إنتوا زي الهم على القلب
❈-❈-❈
تركتها” نبيلة ” و ذهبت حيث شرفة الردهة كادت تقف فيها حتى وصل إلى مسامعها صوت أختها و هي تخبر ز و جها المستقبلي بأدق التفاصيل التي تحدث في البيت و ليس ذلك فحسب بل تطمئنه أنها لن تتخلى عنه و سوف تساعده في انهاء تحضيرات حفل الزفاف
ولجت لتعلن عن وجودها، انتفضت أختها من ظهورها المفاجئ، ضغطت على زر القفل و سألتها بصوتٍ مرتفع قائلة
– في إيه يانبيلة حد يخض حد كدا ؟
– في إنك باردة و ماعندكيش دم، في إن أنا طالع عيني شغل في البيت وبرا البيت عشان اكمل مصاريف جهازك و اساعدك و أنتِ رايحة تساعدي حبيب القلب
– ايوة اساعده جوزي ؟
– جو زك ؟ طب و أنا ذنبي إيه ؟ها ذنبي إيه اتحمل مصاريف اكتر من طاقتي ؟؟
ردت ” دعاء ” بنبرة ساخرة و ملامح تحمل كل الغضب والغيظ الشديدة من ردة فعل أختها
– ماخلاص يا ست بلبلة نبقى نعوضها لك في يوم فرحك و بلاش تذليني كل شوية كدا
– و حياتك ماهشوف وشك من بعد ماتتجوزي لـ تكوني فاهمة يابت إن الواد دا هايسبك تصرفي علينا كدا فلوسك اللي هي أصلًا هتروح عليه أول بأول
– مابراحة يا ست نبيلة الواد مش حِملك هو كان عمل لك إيه لدا كله يعني ؟!
❈-❈-❈
تعلم أنها كان مخطئة عندما تحدث بكل هذا العنف الذي لم تجد له مبرر، منذ بداية اليوم و هي تعنف الجميع، اعتذرت لأختها و طلبت منها أن تبتسم و أن ما حدث بسبب الضغط الذي تتعرض له يوميًا من صاحب العمل
لم يكن بالـ ـيد حيلة كمان يقولون، ابتسمت إبتسامة مزيفة لتخبرها أنها لن تحمل في قلبها كُرهً لها و لكن بقرارة نفسها، هي لا تُكن أي مشاعر تجاهها سوى الحقد والكُره، لأختها و لأي أحد يريد هدم بيتها الجديد، كانت ترمقها بنظراتٍ سخط و كُره، رغم محاولاتها في إخفائها لكن باءت جميع محاولاتها بالفشل
ردت” نبيلة” قائلة بجدية
- ماشي يا دعاء بكرا تقولي نبيلة أختي قالت
و على العموم ياستي متزعليش حقك عليا و ادي راسك ابو سها ااااه ايـ ـدي يا دعاء مالك في إيه ؟!
نظرت لها اختها بسخطٍ و كره ثم قالت بنبرة محذرة
يتبع
الفصل الثاني
—————
نفضت ” دعاء” يـ ـد اختها ” نبيلة” رافضة المصالحة أو كلمة الإعتذار من الأساس
عاتبتها كثيرًا و لكن لا حياةً لمن تنادي، ربتت على كتـ ـفها و قالت بنبرة صوتها الهادئ قائلة:
- ماشي دعاء مش هزعل منك عشان أنا اللي زعلتك في الأول و أنتِ عر و سة من حقك تتدلعي ياستي و من الحق الكبير يدلع
❈-❈-❈
ظلت تدا عبها حتى ترى إبتسامتها على وجهه مرةً أخرى لكنها أبتسمت ابتسامة مزيفة بالكاد ارتسمت على ثغرها و انتهت المشاجرة المعتادة عليها و غادرت ” نبيلة” من الشرفة جلست في غرفتها تتصفح آخر الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي، ظلت تتنقل بين الصفحات و هي تتمنى يومًا من الأيام أن ترتدي ثو بها الأبيض من احد بيوت الازياء الشهيرة، العجيب أنها لم تتأثر بقضـ ـية حبيبها بل القته من حياتها كأنه لم يزور قلبها يومًا، بل تحمد الله على إنقاذها قبل فوات الأوان .
و قبل أن تغلق حسابها الشخصي و جدت ابن صاحب المحل الذي تعمل فيه قام بتحديث صورته الشخصية، لاحت إبتسامة خفيفة على ثغرها و هي تقول
بتحسر على حالها
- اهي دي العرسان و لا بلاش مش أحمد اللي كنت هقع في
قامت بكتابة تعليق مجامل و سرعان ما و جدته يرد على هذا التعليق دون غيرها، وفي أثناء الكتابة و انتظار الرد بين التعليقات جائنتها رسالة عبر حسابها الشخصي، نظرت لها و قالت بنبرة حائرة
يا ترى عاوز إيه ؟
قامت بالرد على رسالة” عبد الكريم” ظلت تتبادل معه اطراف الحديث حول العمل ثم أخبرها أن يريد مقابلة و الدها، لم تفهم في البداية لِمَ هذه المقابلة لكنها ظنت أنه يريده في أمرًا هام و لم يأتي ببالها أمر الخطبة، قامت بترحيب زياريه كـ نوع من أنواع المجاملة و انهت معه الحديث .
قامت بغلق حسابها ثم هاتفها و دخلت لغرفتها، تمددت بجـ ـسدها على الفراش، تفكر في حياتها المستقبلية كم تمنت أن تـ ـتز وج بـ رجلًا قادرًا ماديًا يغير لها نمط حياتها، يا إلهي إن حدثت المعجزة و تز و جت بـ ابن صاحب العمل، هنا فقد ستعلم أن والدتها دعت لها يوم ليلة القدر، و لكن كل هذه أحلام وردية لا علاقة لها بـ الواقع الذي تعيش فيه، ظلت هكذا حتى غلبها النعاس .
❈-❈-❈
و في مكانًا آخر و تحديدًا في منزل “عبد الكريم” لم تستطع ز و جة شقيقه كتم ما يعتمل أكثر من ذلك، كل ما فعلته و سوف تفعله والدة ز و جها لا يروق لها من الأساس، ظلت تجوب الغرفة ذهابًا إيابًا تنفخ وجهها و كأنها تنفخ نيران الغيظ و الغضب الشديد، ثم تنظر لـ ز و جها و تقول بغيرةً شديدة
- بقى اخوك اللي ما بيعرفش يقول كلمتين على بعض ياخد الشقة و يفرشها لأ و كمان
يتـ ـجوز فيها بعد ماكنت خلاص هاخدها أنا لابنك
تابعت بغيظٍ يفوق غيظ العالم بأسره قائلة بصوتٍ مرتفع
- آآآآه يا ناري همـ ـوت من الغيـ ـظ و القهـ ـرة
رد ” ممدوح ” و هو ينفث سحابة دخان كثيفة في سقف الغرفة و قال بهدوءٍ شديد عكس
ز و جته تمامًا
– ما خلاص يا لُبنى بقى اعصابك مش كدا و بعدين مين قالك إن حد هيرضى بـ عبده
– كتير يا خويا كتير اخوك شغال و بيكسب على قلبه قد كدا و الراجل مافيش حاجة تعيبه غير جيبه و دا جيبه قد كدا
– اه جيبه عامران بس زي الاهبل ما بيعرفش يقول كلمتين ورا بعض و مين دي اللي هاترضى بي على رأي حمدي
– خليك أنت كدا أنت و اخوك لما يتـ ـجوز و يخلف و مراته تيجي تلم الجمل بما حمل
تابعت بنبرة مغتاظة و هي تجلس على حافة الفراش وقالت
- آآآه يا ناري لو أعرف العروسة دي مين و لا ساكنة فين لا كنت رحت و فضلت على ودنها زي اللي راحوا، بس اقول إيه امك زي
العـ ـقربة فضلت ساكتة ساكتة لحد ما صحتنا على خبر زي وشها، منها لله !
قام”ممدوح” بسحب الدثار على جسده ، وهو يتمتم بكلماتٍ يسُبها فيها مرة و يلعن حاله الف مرة لن تهدأ حتى تدمر زيـ ـجة أخيه كعادتها
أما هي تتحسر جلست تتحسر على ذلك البنك المركزي الذي كاد يلحق في سماء غيرها، ليته لم يتزوج ليتها تعرف من هي العروس هذه المرة، كم تمنت أن تحظى بـ ـزوج مثله سخي لا يترك صغيرة و لا كبيرة إلا و ابتاعها لها، لن تنكر أنها تغار و لكن لاتعرف منه أم عليه ؟!
وثبت من مكانها و كأن لدغة للتو، ظلت تتوعد للعروس القادم إن أتت هنا ستندم ندمًا لم تعرفه من قبل، لن تترك هذا يذهب لغيرها ابدًا
حتى و إن كانت ز و جته لن تترك هذا الخير ابدًا
❈-❈-❈
في الشقة المقابلة
لا يختلف حالة زوجة حمدي عن زوجة ممدوح، النيران تأكلها أيضًا و لكن هذه المرة
ز و جها هو من يشعر بالغيـ ـظ الشديد، كان يريد هذه الشقة ليـ ـتزوج فيها، لو كانت تعلمت ز و جته لأكلت عظامه قبل لحمه، متى قام بجمع كل هذه الاموال، اللعنة والدته تساعده اكثر منه و من أخيه، دائمًا هو الفتى المدلل، ربما لإعاقة لسانه المتلعثم، دائمًا ينعته بالابله
و اخيه لا يرد و هذا ما يزيد من غضبه يريد مشاجرة لطرده من البيت ليفعل ما يحلو له بهِ
ظل على هذا الوضع يفكر و يُدبر و ينفث غضبه في سجائره حتى تجاوزت الساعة الخامسة فجرًا ذهب إلى عمله و هو لم ينعم بالنوم ولو لمدة خمس دقائق على الأقل
❈-❈-❈
في عصر اليوم التالي
قرر أن يضع مخططًا جديدًا لفسخ الخطبة قبل حدوثها من الأساس
هبط سلالم الدرج بخفة وسرعة، ثم ولج شقة والدته ظل يبحث عن أخيه ” عبدالكريم” فلم يجدهُ، سأل ز و جته فـ لوت شفتاه ساخرة و هي تهمس بجانب أذنه وراحت تقول
– راح ياحبيبي يشتري شوية حاجات عشان العروسة الجديدة
– و أمي فين مش شايفها يعني ؟
– دخلت تلبس
– الاه هو مش هنروح معاها و لا إيه ؟
خرجت والدته من غرفتها و قالت بهدوء كعادتها في مثل هذه الأمور
- ها تروح ياحبيبي متقلقش بس احنا هنروح بس نعرض لسه عليهم
تابعت بحزن مصطنع و هي تجلس على حافة الفراش قائلة
- بيني و بينك خايفة العروس ترفض و مشوارنا يبقى على الفاضي عشان كدا قلت لأخوك عبده خلينا نروح زيارة عادية نشوفها انا و هو و بعدها نتجمع كلنا و نقرأ الفاتحة
خرجت الأم وسط دهشة و ذهول كل من في البيت نفذت مخططاها رغم أنف الجميع، استقلت سيارة الأجرة و هي تستمع لـ سؤال
” عبد الكريم” و هو يحدثها هامسًا بجانب أذنيها بصوته المتلعثم
– اومال فين اخواتي ؟
– مش هايجيوا قلت لما الموضوع يتم نبقى ناخدهم ساعتها .
– كدا ها يزعلوا مننا
– يا اخويا سيبك منهم اللي يزعل يزعل و بعدين دا عينهم وحشة
❈-❈-❈
حرك ” عبدالكريم ” رأسه حركة يمينًا و يسارًا
و على ثغره إبتسامة خفيفة لكنها نابعة من قلبه يشعر بسعادة لا مثيل لها ، و لكنه يخشى أن يفقد هذه السعادة، أما و الدته فـ هي تفكر في شيئًا آخر رغم سعادتها له إلا إنها تخشى أن يتم رفض ابنها ككل مرة، كانت في صراع مع الجميع لتـ ـز و جه، الجميع يطمع في امواله و هو كـ والده سخي، و ما في جيبه ليس له تريد أن تأخذ ابنائها معاها و تتباهى بعائلتها مثلها كـ مثل أي أسرة عادية و لكن كيف و أبنائها يكرهون أخيهم و يريدون فسخ أي خطبة قبل بدايتها، و صلا أخيرًا إلى منزل العروس، التي لا تعلم حتى الآن إنها عروس
قرع الناقوس و تم التعارف ثم جلست العائلتين في غرفة الضيوف، بدأ
“عبد الكريم” في شرح ما يريد على الرغم من أنه قام بـ تدريب حاله كثيرًا إلا إنه باءت جميع محاولاته بـ الفشل .
ساعدته والدته في تسيهل هذه المهمة و نجحت بالفعل في نقل رغبة ابنها بالز و اج من ابنة العم محمد، نظرت العم محمد لـ ز و جته
التي حاولت جاهدة كبح ضحكاته بسبب لسانه المتلعثم، لكزها ز و جها و نهضت على الفور قبل أن تحرجه أكثر من ذلك، تنحنح و هو يعود ببصره و قال بجدية
- و اللهِ يا ابني أنت تشرف أي عيلة و أنا شخصيًا ما عنديش أي مانع، بس زي ما أنت عارف البت دعاء بنتي ها تتـ ـجوز على يوم الخميس الجاي و جو ا ز البنات مش بالسهل يعني
ردت والدة عبد الكريم قائلة بتوتر
– ما هو احنا يا حاج محمد مش ها نتـ ـجوز في يوم و ليلة، و بعدين احنا مش ها نعرف بعض النهاردا دا جيران و العيال متربية سوى و أنت اللي مربي عبده
– و الله ياست أم عبده انا ما عنديش مشكلة بس كل بطلبه إني اخد مُهلة خطبين في الراس تو جع و أنتِ ست العارفين
– طب نقسم البلد نصين إيه رأيك لما نخلي مدة الخطوبة ست شهور منها الولاد يعرفوا بعض و منها يكون كل واحد مننا خلص الحاجات اللي عليه و مش ها نختلف و اللي تقدر عليه هاتوا قلت إيه
– لا إله إلا الله محمد رسول الله خلاص اللي تشوفي اهي البت بنتك و عبده ابني و مش ها نختلف
تهللت أسارير العريس و والدته رفع ” عبد الكريم” و قال بـ سعادة
- نقرأ الفاتحة يا عمي
و أخيرًا نجح العم محمد في جمع جملة مفيدة
رد بإبتسامة خفيفة رافعًا يده لأعلى و قال
- يلا يا ابني نقرأ
تابع بتذكر قائلا بفضول
- لا مؤاخذة في السؤال اومال فين اخواتك ماجوش ليه ؟
ردت والدته قائلة بسرعة
– في الشغل يا حاج و بيني كنا جاين مجرد زيارة بس النصيب بقى الزيارة الجاية بأمر الله
– و ماله مافيش مشكلة
❈-❈-❈
تعالت الزغاريد و بدأت المباركات و إلى الآن
” نبيلة ” لا تفهم سببها أو لا تريد، وقفت شقيقتها تزين وجهها بمساحيق التجميل، و هي تسخر منها محدثة إياها قائلة
– عريس الهنا يا ياما جه لاختي ياما
ردت والدتها و هي تضع الحلوى في الأطباق المخصصة لها قائلة
- بس يا بت اختك تزعل
ردت ” نبيلة ” بغضـ ـبٍ وغيـ ـظٍ شديدان
- و ازعل ليه هو أنا كنت العر و سة
وضعت والدتها يدها أسفل ذقنها و قالت بنبرة ساخرة
– اومال فاتحة مين اللي قرأها ابوكي دي عروسة ؟
وثبت من على حافة الفراش و قالت بغضبٍ جم قائلة
- ماما ما تجبيش سيرة عروسة دي تاني، و عشان تبقوا عارفين أنا مش ها تجـ ـوز اللي اسمه عبد الكريم دا لو حتى قتـ ـتلوني أنا بقلها لكم اهو !
اقتربت منها والدتها و قالت بهدوء معتاد في مثل هذه المواقف
- لأ الكلام دا أنتِ تقولي لـ ابوكي أنا مليش دعوة بالحوار دا، لكن دلوقتي يا حبيبة أمك خُدي بقى العصير و الجاتوه دا و طلعي برا يلا
جلست ” نبيلة ” على طرف الفراش مرةً أخرى و قالت بعناد و هي تهز قدماها
- مش خارجة و شوفي مين بقى ها يقدم لـ عريس الهنا
فرغ فاه والدتها و كادت تتحدث لكن صوت
و الدها قاطعها و هو يناديها حتى تأتي بـ العصائر، لم يكن أمامها سوى الم